نصر حامد أبو زيد
86
الاتجاه العقلي في التفسير
المستويين من المعرفة يتطلّب الإخبار عنه ، وهي الحاجة التي تجعل المواضعة ضرورية ، ما دامت وظيفة اللغة هي « الإنباء » عمّا في النفس لتبادل المعرفة والخبرة . ومما يؤكّد هذه الموازاة أن القاضي كما فصل بين المدرك والمدرك حين ردّ على منكري الإدراك الحسي ، وبين العلم والمعلوم واعتبر أن الادراك والعلم يتعلقان بالمدركات وبالمعلومات على ما هي به ، دون أن تؤثرا فيها سلبا أو ايجابا ، وكذلك كما فصل بين الدلالة العقلية وما تدلّ عليه واعتبرها دلالة مجردة تدلّ بذاتها ولا تؤثر في حال المدلول عليه . كما فعل ذلك كله ، نراه يفصل الدلالة اللغوية عن مدلولها فصلا كاملا ، ويربط بين التسمية والعلم ربطا تاما « فقد ثبت أن الاسم في تعلقه بالمسمى بمنزلة الخبر عن الشيء ، والعلم به ، والدلالة عليه ، بل هو في ذلك دون مرتبته . فإذا كان العلم والدلالة والخبر لا تؤثر فيما تتعلق به ، فالاسم بألا يؤثر أولى . وكذلك لا يصحّ استعماله على وجه يفيد إلّا بعد تقدّم العلم بالمعنى أو الاعتقاد له » 159 . ويظلّ « القصد » هو الرابط الوحيد بين الدلالة اللغوية وما تدلّ عليه . ومعنى ذلك أن المواضعة - وحدها - تتساوى مع الإشارة . أمّا « القصد » فهو الذي يعطي للمواضعة ثباتها ويحوّل الأصوات إلى دلالة « ولذلك يصحّ أن تتغير اللغات بحسب الدواعي والأغراض » 160 . إذا كان مفهوم « القصد » عند القاضي عبد الجبار يعني « المعنى » وهو العلاقة بين الاسم والمسمى على مستوى المفردات اللغوية . وهذا القصد ليس من صنع الفرد ، بل هو من صنع الجماعة عن طريق المواضعة على مسميات الأشياء . إذا كان الأمر كذلك ، فإن مفهوم « القصد » يتسع على مستوى التركيب اللغوي ليعبّر عن « المعنى القائم في النفس » عند الباقلاني . وإذا كانت وظيفة التسمية - ومن ثمّ اللغة - قد تحددت في « الإنباء » عمّا في النفس ، والإخبار عن الأشياء والأفكار ، فمن الطبيعي أن يراعى حال المتكلم وقصده حين نحاول فهم كلامه أو الاستدلال به . ومعنى ذلك أن فهم قصد المتكلم ضروري - إلى جانب المواضعة - حتى يتمكن أن يفيد الكلام . واصرار المعتزلة هنا على فكرة « القصد » - من جانب المتكلم - تؤكّد أن المواضعة وحدها في التركيب لا تكفي ، فالكلام « قد يحصل من غير قصد فلا يدلّ ، ومع القصد فيدلّ ، ويفيد . فكما أن المواضعة لا بدّ منها فكذلك المقاصد التي بها يصير الكلام مطابقا للمواضعة » 161 . فالمواضعة - على أهميتها وضروريتها - لا تكفي وحدها لوقوع الكلام دلالة ، لأنها ، وإن جعلت الكلام مفيدا ومحتملا للمعاني المتواضع عليها ، لا يمكن أن تنفصل فائدتها عن قصد المتكلم الذي يقصد بالكلام إلى أن يكون